أبي نعيم الأصبهاني

94

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

على قدر عقل العاقلين ومعرفتهم بربهم ، يفترقون في ذلك ، فاحدى الثلاث الخوف من اللّه ، والخلة الثانية الحياء من اللّه ، والخلة الثالثة الحب للّه . فاما الخائف فمراقب بشدة حذر من اللّه تعالى ، وغلبة فزع . وأما المستحيى من اللّه فمراقب بشدة انكسار وغلبة إخبات . وأما المحب فمراقب بشدة سرور وغلبة نشاط وسخاء نفس مع إشفاق ، لا يفارقه ولن تكاد أن تخلو قلوب المراقبين من ذكر اطلاع الرقيب بشدة حذر من قلوبهم أن يراهم غافلين عن مراقبته . والمراقبة ثلاث خلال في ثلاثة أحول أولها التثبت بالحذر قبل العمل بما أوجب اللّه ، والترك لما نهى اللّه عنه مخافة الخطا ، فإذا تبين له الصواب بالمبادرة إلى العمل بما أوجب اللّه والترك لما نهى اللّه مخافة التفريط ، فإذا دخل في العمل فالتكميل للعمل مخافة التقصير ، فمن لم يثبت قبل العمل مخافة الخطا فغير مراقب لمن يعمل له إذ كان لا يأمن من أن يعمل على غير ما أحب وأمر به ، ومن لم يبادر ويسارع إلى عمل ما يحب اللّه بعد ما تبين له الصواب ، فما راقب إذا بطأ عن العمل لمحبة من يراقبه ، إذ يراه متثبطا عن القيام بما أمر به . ومن لم يجتهد في تكميل عمله فضعيف مقصر في مراقبة من يراقبه ، إذا قصر عن إحكام العمل لمن يعمل وقد علم أن اللّه جل ثناؤه يحب تكميله وإحكامه . وقال : سبع خلال يكمل لها عمل المريد وحكمته : حضور العقل ونفاد الفطنة وسعة العمل بغير غلط وقهر العقل للهوى ، وعظم الهم كيف يرضى الرب تعالى ، والتثبت قبل القول والعمل وشدة الحذر للآفات التي تشوب الطاعات . وأقل المريدين غفلة أدومهم مراقبة مع تعظيم الرقيب ، والدليل على صدق المراقبة باجلال الرقيب شدة العناية بالفطنة لدواعي العقل من دواعي الهوى ، والتثبت بالنظر بنور العلم ، والتمييز بين الطاعة وما شابهها من الآفات ، وقوة العزم على تكميل المراقبة في الحظوة في عين المليك المطلع ، وشدة الفزع مما يكره خوف المقت ، والدليل على قوة الخوف شدة الاشفاق مما مضى من السيئات أن لا تغفر ، وما تقدم من الاحسان أن لا يقبل ، ودوام الحذر فيما يستقبل أن لا يسلم ، وعظم الهم من عظيم الرغبة ، وعظيم الرغبة من كبر المعرفة بعظيم قدر المرغوب فيه ،